أبو الليث السمرقندي
542
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
[ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 53 إلى 57 ] وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هذا عَذْبٌ فُراتٌ وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً وَحِجْراً مَحْجُوراً ( 53 ) وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً ( 54 ) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً ( 55 ) وَما أَرْسَلْناكَ إِلاَّ مُبَشِّراً وَنَذِيراً ( 56 ) قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلاَّ مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلاً ( 57 ) قوله عز وجل : وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يعني : أرسل . ويقال : حلّى البحرين . ويقال : فلق البحرين . ويقال : خلق البحرين العذب والمالح هذا عَذْبٌ فُراتٌ يعني : حلو وَهذا مِلْحٌ أُجاجٌ أي : مرّ مالح وَجَعَلَ بَيْنَهُما بَرْزَخاً أي حاجزا وَحِجْراً مَحْجُوراً أي حرّم على العذب أن يملح ، وحرم على المالح أن يعذب ، وحرم على كل واحد منهما أن يختلط بصاحبه ، وأن يغير كل واحد منهما طعم صاحبه . قوله عز وجل : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْماءِ بَشَراً أي من النطفة إنسانا فَجَعَلَهُ نَسَباً وَصِهْراً فالنسب : ما لا يحل لك نكاحه من القرابة ، والصهر : ما يحل لك نكاحه من القرابة وغير القرابة ، وهذا قول الكلبي . وقال الضحاك : النسب القرابة ، والصهر الرضاع ، ويحرم من الصهر ما يحرم من النسب . ويقال : النسب الذي يحرم بالقرابة ، والصهر الذي يحرم بالنسب ، وهو ما ذكر في قوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ وَبَناتُكُمْ وَأَخَواتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخالاتُكُمْ وَبَناتُ الْأَخِ وَبَناتُ الْأُخْتِ [ النساء : 23 ] فهذه السبع تحرم بالقرابة ، والسبع التي تحرم بالنسب ، فهو ما ذكر بعده وهو قوله تعالى : وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [ النساء : 23 ] إلى آخر الآية . وامرأة الأب ثم قال تعالى : وَكانَ رَبُّكَ قَدِيراً فيما أحل من النكاح ، وفيما حرم . ويقال : قَدِيراً على ما أراد . قوله عز وجل : وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ يعني : الأصنام ما لا يَنْفَعُهُمْ إن عبدوهم وَلا يَضُرُّهُمْ إن لم يعبدوهم وَكانَ الْكافِرُ عَلى رَبِّهِ ظَهِيراً يعني : عونا للشياطين على ربه . قال بعضهم : نزلت في شأن أبي جهل بن هشام ، ويقال : في شأن جميع الكفار . ثم قال : وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً يعني : ما أرسلناك يا محمد إلا مبشرا بالجنة لمن أطاع اللّه عز وجل ، ونذيرا بالنار لمن عصاه ، قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ يعني : قل لكفار مكة : ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ يعني : على القرآن والإيمان مِنْ أَجْرٍ يعني : من جعل إِلَّا مَنْ شاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا يعني : إلا من شاء أن يؤخذ ، ويتخذ إلى ربه بذلك التوحيد سبيلا ، يعني : مرجعا . ويقال : يعمل ، فيتخذ عند ربه مرجعا صالحا ، فيدخل به الجنة . يعني : لا أريد الأجر ، ولكن أريد لكم هذا الذي ذكر ، وقصدي هذا لا أن آخذ منكم شيئا . [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 58 إلى 60 ] وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفى بِهِ بِذُنُوبِ عِبادِهِ خَبِيراً ( 58 ) الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمنُ فَسْئَلْ بِهِ خَبِيراً ( 59 ) وَإِذا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمنِ قالُوا وَمَا الرَّحْمنُ أَ نَسْجُدُ لِما تَأْمُرُنا وَزادَهُمْ نُفُوراً ( 60 )